Loading...
Uncategorized

“عولمة الفقر”.. كيف يتفاقم غياب العدالة الاقتصادية وتزدهر ثروة الأغنياء على حساب الفقراء؟

“عولمة الفقر”.. كيف يتفاقم غياب العدالة الاقتصادية وتزدهر ثروة  الأغنياء على حساب الفقراء؟

منذ 15 عامًا أصدر الاقتصادي الكندي “مايكل تشوسودوفسكي” كتابه الأشهر “عولمة الفقر” الذي اعتبر فيه أن النظام الاقتصادي العالمي القائم، أو ما عرف وقتها بالترتيبات الاقتصادية الجديدة، في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي يهدف إلى إحداث تغييرات في بنية الاقتصاد العالمي حفاظًا على مصالح الأغنياء بما ينشر الفقر بين الناس.

 

 

الضرائب مثالًا

 

وعاد الحديث مجددًا عن تلك الظاهرة مع تفاقم العديد من مظاهر “عولمة الفقر”، إذ تشير دراسة لـ”مركز دراسات العولمة” إلى أن الولايات المتحدة مثلًا تشهد أحد أكبر مظاهر غياب العدالة من خلال النظام الضريبي الذي يسمح لـ67-72% من الشركات الأمريكية بتجنب دفع الضرائب بعد الحصول على الإعفاءات القانونية والاستفادة من برامج التشجيع.

 

وفي المقابل، فإن العاملين والموظفين يدفعون 25-30% من دخولهم كضرائب، مقارنة بـ14% فقط تدفعها الشركات التي تؤدي الضرائب، والتي تبقى أقلية مقارنة بتلك المعفاة لسبب أو آخر.

 

ووفقًا لتقرير لهيئة تابعة لوزارة الخزانة الأمريكية فإن التهرب من الضرائب بلغ حوالي 458 مليار دولار سنويًا في المتوسط خلال الأعوام الأخيرة، وإن غالبية عمليات التهرب تتم بواسطة الأثرياء وليس محدودي الدخل، من خلال استغلال القواعد القانونية التي تعطيهم إعفاءات إذا ما تبرعوا بالأموال أو حتى نقل الملكية أو غير ذلك من الوسائل التي يتهربون بها من الضرائب.

 

وفي الوقت الذي تُبقي الشركات الأمريكية قرابة 2.5 تريليون دولار في “ملاجئ ثروات” معفاة من الضرائب وفقًا لتقديرات “مركز دراسات العولمة” فإن الشركات الأمريكية تلقت ما قرابته 12.8 تريليون دولار كأموال إنقاذ (من دافعي الضرائب) وفقًا لتقديرات المركز نفسه في عمليات الإنقاذ المالي التي أعقبت الأزمات الاقتصادية والمالية الأخيرة.

 

العمالة الماهرة تتضرر

 

وعادة ما تعتبر القدرة على امتلاك منزل أحد أهم معايير الثروة في الولايات المتحدة بشكل خاص والغرب بشكل عام، وتراجعت قدرة الأمريكيين تحت 45 عامًا على اقتناء منزل من 24% منهم عام 2006 إلى 14% عام 2017، في الوقت الذي زادت فيه الإيجارات بنسبة الثلث إلى النصف في غالبية الحالات بما يعكس تراجعًا في مستويات معيشة الأفقر لحساب نمو ثروات الأغنى.

 

 

وتشير دراسة لأستاذ الاقتصاد في جامعة “أكسفورد” “ستيفان ديركون” إلى أن العمالة الماهرة في المؤسسات الكبيرة تضررت كثيرًا من تأثيرات العولمة السلبية، حيث تحصل على أجور أقل من تلك التي تحصل عليها العمالة الماهرة في الشركات غير المرتبطة بالسوق العالمي بدرجة كبيرة.

 

وأجرى “ديركون” تجربة على عدد من الشركات في إثيوبيا، حيث قسّم أنواع العاملين فيها إلى ماهرة وغير ماهرة، قبل أن يوزعها على 3 مجموعات وفقًا لدرجة ارتباط المنشأة التي يعملون فيها بالأسواق العالمية وما إذا كانوا يعملون في شركات متعددة الجنسيات أو محلية أو غير ذلك.

 

وفي حالة العمالة غير الماهرة، وهي الأقلية، فإن دخولها زادت في المؤسسات الأكثر اندماجًا في الاقتصاد العالمي، أما في حالة العمالة الماهرة فجاء التأثير عكسيًا بفعل اتساع سوق التنافس بينها عالميًا، حتى أن تلك العمالة في إثيوبيا تتنافس واقع الأمر مع نظيرتها في الصين في ظل سهولة تحريك رؤوس الأموال بين الدول بما يزيد الصعوبات والضغوطات على العمالة.

 

فعلى الرغم من أن مبادئ العولمة شملت حرية حركة الأشخاص ورؤوس الأموال والسلع، إلا أن حركة الأشخاص ظلت محدودة مقارنة برؤوس الأموال والسلع، بما جعل “مطاردة” الفرص الاقتصادية للعمالة أمرًا غير ميسور مقارنة بحرية حركة بقية عناصر الإنتاج ومخرجاته.

 

الغذاء والبيئة

 

وتشير دراسة لـ”كريس بلاتمان” من جامعة “شيكاغو” إلى أن استخدام مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية لتوحيد السياسات التجارية والاقتصادية والمالية العالمية أدى للمزيد من الاختلالات الاقتصادية التي تناصر الأغنياء على حساب الفقراء.

 

فوجود سوق عالمي واسع للغذاء أضر كثيرًا بفقراء الدول الزراعية، الذين أصبحوا ينافسون أغنياء دول صناعية على الطعام المُنتج في بلادهم، مما رفع أسعار الغذاء في مختلف دول العالم بشكل راديكالي خلال الأعوام الأخيرة، على الرغم من عدم تغير نسب الاستهلاك للإنتاج بشكل كبير يبرر تلك الزيادات.

 

وعلى الرغم من بعض المؤشرات الإيجابية مثل ما يؤكده البنك الدولي حول انخفاض من يعانون الفقر المدقع (يحيون على أقل من دولار وربع يوميًا) من نصف سكان العالم عام 1981 إلى أقل من 20% خلال الأعوام الأخيرة، إلا أن المؤشر يبقى فاقدًا للمصداقية في ظل غياب حساب دقيق لمعدلات التضخم وتغير سعر المواد الغذائية في كل دولة، فضلًا عن صدوره من إحدى المؤسسات الراعية لظاهرة العولمة كما نشرت صحيفة “الجارديان”.

 

 

وتتنوع السياسات التي تسهم في “عولمة الفقر” من خلال رفض العديد من الدول مثلًا مراعاة العوامل البيئية تذرعًا بتأثير ذلك سلبًا على حجم الإنتاج فيها، على الرغم من أن هذا يفيد الأغنياء الذين يسعون لمستويات إنتاج عالية بغض النظر عن التأثيرات البيئية، ويضر الفقراء غير القادرين على توفير العلاج المناسب من الأمراض التي يصابون بها بفعل التلوث البيئي.

 

وفي كتابه يقول “تشوسودوفسكي” قبل 15 عامًا “الأزمة في مواجهة نشر العولمة للفقر أنه يبدو أمرًا طبيعيًا، بل ويكون الناس مطالبين باعتباره “مشروعًا” مع رفع شعار عام يؤكد أن كل شخص “يحصل على ما يستحق”، بينما مراجعة سياسات صندوق النقد وتأثيرها على الدول بل حتى سياسات الإيجارات والتملك والضرائب من شأنها أن ترسم صورة مختلفة تماما.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *